حيدر حب الله

9

شمول الشريعة

الولادة السياقيّة لإشكاليّة البحث ( فكرة تدخّل الله ) تحتلّ الشريعة - وبتبعها الفقهُ الإسلامي بوصفه فهماً لها - مكانةً مرموقة وعالية في الحياة الإسلاميّة ، ذلك أنّها تتصل بوقائع الحياة اليوميّة ، وتسعى للتدخّل في حياة الفرد المسلم والجماعة المسلمة بدرجة عالية . وعندما نتكلّم عن مفردة ( التدخّل ) ، فنحن مضطرّون لرصد سياقات هذه المفردة التي ربما تكون ظهرت مع ظهور الإنسان على هذه الأرض ؛ لندرك جيّداً أين تقع موضوعة بحثنا هنا في هذا الكتاب ؛ فنحن نعرف أنّ ثنائيّة الدين والإلحاد بمشهدها القديم ، تحكي عن وجود موقفين من ( فكرة / الله ) : الموقف الأوّل : وهو موقف الدين السماوي ، حيث يرى أنّ الله واقعيّةٌ حقيقيّة تعبّر عن المطلق في الوجود والذي لا حدود له في أيّ صفة يتصف بها أو أيّ كمالٍ يُفرَض له ، فكلّ وجودٍ نفرضه مطلقاً بتمام الإطلاق فهو تعبيرٌ آخر عن الله تبارك وتعالى ، وهذا بصرف النظر عن قضيّة الإله المتعيّن أو الإله غير المتعيّن ، والتي تمثل إحدى الأفكار التي تضع الأديانَ أمام تقسيم ، حيث نجد أنّ الأديان الإبراهيميّة تُعرف باعتقادها بالإله المتعيّن المتعالي ، بينما تميل أديانٌ شرقيّة كالبوذيّة نحو الإله غير المتعيّن والذي يمثل ساحة مطلقة بمعنى من المعاني . إنّ الأديان السماويّة بشكل عام تعتبر أنّ الله خلق العالم وكلّ ما سواه ، ولكنّه لم يتركه ، بل هو في عين خلقه مدبّر ، وهذا التدبير يتخذ في هذه الأديان شكلين ، هما : أ - الشكل التكويني الأنطولوجي ، الذي يتمثل في الإدارة المتواصلة لله سبحانه لهذا الوجود ، فهو الرازق والمنعم والمعين والمحيي والمميت و . . ب - الشكل التوجيهي الإرشادي ، والمتمثل في أنّ الله لم يترك البشر بعد أن خلقهم ليديروا أمورهم دون أن تكون له يدٌ في توجيههم وإرشادهم إلى ما يلزمهم فعله أو يحسن لهم فعله في